ابراهيم رفعت باشا

133

مرآة الحرمين

يظن الجهال أن استلام الحجر الأسود من باب تعظيم الأحجار كما كانت العرب تفعل في الجاهلية ، فأراد أن يعلم الناس أن استلامه اتباع لفعل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لا لأن الحجر يضر وينفع بذاته اه . بقي أن يقال : إذا كان هذا الحجر لا ينفع ولا يضر - كما قال عمر في الموسم تعليما للناس وأقرّه جميع الصحابة عليه - وكان استلامه وتقبيله لمحض الطاعة والاتباع لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كما يتبع في سائر العبادات ، فما حكمة جعل ما ذكر من العبادة ؟ وهل يصح ما قيل : من أن النبي صلى اللّه عليه وسلم تركه في الكعبة مع أنه من آثار الشرك تأليفا للمشركين واستمالة لهم إلى التوحيد ؟ والجواب أن الحجر ليس من آثار الشرك ولا من وضع المشركين ، وإنما هو من وضع إمام الموحدين إبراهيم صلى اللّه عليه وآله وسلم ، جعله في بيت اللّه ليكون مبدأ للطواف بالكعبة يعرف بمجرّد النظر إليها فيكون الطواف بنظام لا يضطرب فيه الطائفون ، وبهذا صار من شعائر اللّه يكرم ويقبل ويحترم لذلك كما تحترم الكعبة لجعلها بيتا لله تعالى وإن كانت مبنية بالحجارة فالعبرة بروح العبادة النية والقصد ، وبصورتها الامتثال لأمر الشارع واتباع ما ورد بلا زيادة ولا نقصان ، ولهذا لا تقبّل جميع أركان الكعبة عند جمهور السلف ، وان قال به وبتقبيل المصحف وغيره من الشعائر الشريفة بعض من يرى القياس في الأمور التعبدية . وتعظيم الشعائر والآثار الدينية والدنيوية بغير قصد العبادة معروف في جميع الأمم لا يستنكره الموحدون ولا المشركون ولا المعطلون ، وأشدّ الناس عناية به الإفرنج فقد بنوا لآثار عظماء الملوك والفاتحين والعلماء العاملين الهياكل العظيمة ونصبوا لهم التماثيل الجميلة ، وهم لا يعبدون شيئا منها ، فلماذا نهتم بكل ما يلفظ به كل قسيس أو سياسي يريد تنفير المسلمين من دينهم إذا موّه علينا في شأن تعظيم الحجر الأسود فزعم أنه من آثار الوثنية ، ونحن نعلم أنه أقدم أثر تاريخي ديني لأقدم إمام موحد داع إلى اللّه من النبيين المرسلين الذين عرف شئ صحيح من تاريخهم وهو إبراهيم عليه الصلاة والسلام الذي أجمع على تعظيمه مع المسلمين اليهود والنصارى ؟